أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

275

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الوجه الثاني : أن يكون حالا من مفعول « نادَوْا » ، أي : نادوهم حال كونهم غير داخلين . وقوله : وَهُمْ يَطْمَعُونَ على ما تقدم آنفا . والوجه الثالث : أن يكون في محل رفع صفة ل « رِجالٌ » ، قاله الزمخشري ، وفيه ضعف من حيث إنّه فصل فيه بين الموصوف ووصفته بجملة قوله « وَنادَوْا » ، وليست جملة اعتراض . والوجه الرابع : أنها لا محل لها من الإعراب ، لأنها جواب سائل سأل عن أصحاب الأعراف ، فقال : ما صنع بهم ؟ فقيل : لم يدخلوها وهم يطمعون في دخولها . وقال مكي كلاما عجيبا ، وهو أن قال : إن حملت المعنى على أنهم دخلوها كان « وَهُمْ يَطْمَعُونَ » ابتداء وخبرا في موضع الحال من المضمر المرفوع في « يَدْخُلُوها » ، معناه : أنهم يئسوا من الدخول فلم يكن لهم طمع في الدخول ، لكن دخلوا وهم على يأس من ذلك . فإن جعلت معناه : أنهم لم يدخلوا بعد ، ولكنهم يطمعون في الدخول برحمة اللّه ، كان ابتداء وخبرا مستأنفا » . وقال بعضهم : جملة قوله : « لَمْ يَدْخُلُوها » من كلام أصحاب الجنة ، وجملة قوله : « وَهُمْ يَطْمَعُونَ » من كلام الملائكة . قال عطاء عن ابن عباس : « إنّ أصحاب الأعراف ينادون أصحاب الجنة بالسلام فيردون عليهم السّلام ، فيقول أصحاب الجنة للخزنة : ما لأصحابنا على أعراف الجنة لم يدخلوها ؟ فتقول لهم الملائكة - جوابا لهم - : وهم يطمعون » . وهذا تبعد صحته عن ابن عباس ، إذ لا يلائم فصاحة القرآن . و « الطمع » هنا يحتمل أن يكون على بابه ، وأن يكون بمعنى اليقين ، قالوا : لقوله تعالى - حكاية عن إبراهيم عليه السّلام - : وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ « 1 » ، وقال : 2218 - وإنّي لأطمع أنّ الإله * تعالى بحسن يقيني يقيني « 2 » [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 47 إلى 50 ] وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 47 ) وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ( 48 ) أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ( 49 ) وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ ( 50 ) قوله : تِلْقاءَ . منصوب على ظرف المكان . قال مكي : « وجمعه تلاقي » . قلت : لأن « تِلْقاءَ » وزنه « تفعال » ، ك « تمثال » ، و « تمثال » وبابه يجمع على « تفاعيل » ، فالتقت الياء الزائدة مع الياء التي هي لام الكلمة ، فأدغمت فصارت « تلاقي » . و « التّلقاء » في الأصل مصدر ، ثم جعل دالا على المكان ، أي : على جهة اللقاء والمقابلة . قالوا : ولم يجيء من المصادر على « تفعال » بكسر التاء إلّا لفظتين : « التّلقاء » ، والتّبيان » ، وما عدا ذلك من المصادر فمفتوح ، نحو : « التّرداد ، والتّكرار » ، ومن الأسماء مكسورة ، نحو : « تمثال ، وتمساح ، وتقصار وفي قوله : صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ فائدة جليلة ، وهو أنهم لم يلتفوا إلى جهة النار إلا مجبورين على ذلك ، لا باختيارهم ، لأن مكان الشر محذور . وقد تقدم خلاف القراء في نحو « تِلْقاءَ أَصْحابِ » بالنسبة إلى إسقاط إحدى الهمزتين ، أو

--> ( 1 ) سورة الشعراء ، آية ( 82 ) . ( 2 ) انظر البيت في البحر ( 4 / 302 ) .